وهنا استبق القول كي لا يحكم علي البعض بالانفعال سلفا لأبين أن ردي هنا ليس انفعاليا أو ردة فعل على ما نراه من تصرفات الحكام العرب هنا وهناك,وإنما هو رد علمي وواقعي بامتياز وهو سابق لكل ما يجري الآن على الساحة العربية.
الأزمة السورية: هل نتّعظ من دروس الحروب الصليبية؟ -
قلّة من المؤرخين من قام بدراسة الحروب الصليبية وتحليلها بعمق، مثل المؤرخين الصهاينة. فقد كان المشروع الصهيوني في جوهره، ورغم بعض الاختلافات، مثل سابقه ونظيره الصليبي: مشروعاً اوروبياً استعمارياً، يتضمن إقامة دولة تكون بمثابة رأس جسر لاختراق وتفتيت المشرق العربي. وقد أراد هؤلاء المؤرخون والساسة الصهاينة، قبل وبعد إقامة دولة إسرائيل، أن يستخلصوا دروس وعبر هزيمة المشروع الصليبي،
بدلاً من تقصّي نجاح الممارسة أو فشلها، صوابها أو خطئها، يمكننا في هذه الحالة أن نتقصّى التموضع المؤسساتي لها، وكيف حُلّت هذه الممارسة إلى مكونات تتوزّع القيام بها مجموعة من المؤسسات، إلى جانب مكونات من ممارسات أخرى أُعيد توزيعها كذلك، فيجري التعبير عن الممارسة نفسها، بجملة من العبارات، تَرث الأولى منها الجامعة.
في سياق الغزو الأميركي للخليج في ١٩٩١، عبّر الأكاديمي البريطاني فريد هاليداي عن العقيدة اليمينية الجديدة التي اعتنقها، معلناً في صحيفة «نيو ستيتسمان» البريطانية: «إذا كان لا بد لي من الاختيار ما بين الامبريالية والفاشية، أختار الإمبريالية». يبدو أنّه لم يخطر ببال هاليداي أنّه كان بإمكانه أن يعارض كلا الخيارين في الوقت نفسه، وأن يدعم عوضاً عن ذلك النضالات المحلية لتحقيق الديموقراطية.
والواقع أن إزالة المستوطنات، أو حتى تجميد نموّها، أمران يجب عدم توقعهما. كما ان استمرارية المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس الشرقية ستؤدي إلى حل الدولة الواحدة على كامل أراضي فلسطين الانتداب. إن الوقوف على هذه الحقيقة يستلزم إدراك الأسباب التي تجعل هذه المستوطنات دائمة. بعض أسباب ديمومتها معروف تماماً ويمكن تلخيصه بإيجاز، إلا أن الأسباب الأعمق والأقل وضوحاً، أي الدوافع الحقيقية الحافزة على بناء المستوطنات، تتطلب نقاشاً أكثر تعمقاً.
في كتابنا الذي صادرته الأجهزة عام 1994، يوم انحدر الجمل من السقيفة، تحدثنا عن حالة المجتمع الإسرائيلي التي تمثّل " النقيض الحقيقي " لحالة المجتمع السوري. في مقدمة إحدى طبعات الكتب الكثيرة، قلنا ما يلي: