| القصة بدأت لأنها ليست حدثا كما وصفتها وكالات الأنباء، وما تنقله لنا يلخص تفكيرا كاملا، فالصحفي العراقي لم يكن يحتاج للذهاب إلى الحج كي يمارس طقوس الطهارة، وهو استطاع تلخيص "الرمز" بوجود حي، فقام "برمي جمراته" على طريقته، وأمام تركيز إعلامي جعل من الرئيس الأمريكي نموذجا خاصا. بالطبع ما حدث ليس "مقاربة" دينية، لكنها تحمل "عفوية" كل الطقوس منذ بدء الخليقة وفي العراق تحديدا حيث شكلت الخليقة حضارتها، والمسألة لا تبدو اليوم في نوعية تصرفه، او في كونه قام بـ"حرية التعبير" حسب الرئيس جورج بوش نفسه، إنما فيما تشكله هذه الحادثة من صور ستبقى عالقة في "الذاكرة السياسية" حتى ولو غُيبت عن بعض وسائل الإعلام، وهي أيضا مدعاة للتساؤل حول "الاحتياطات" داخل "المؤتمرات الصحافية" التي على ما يبدو أصبحت ضمن نطاق "الحرب على الإرهاب". ربما علينا تخيل ما ستصبح عليه المؤتمرات مستقبلا، لأن الحذاء لو أصاب الرئيس لسبب له أذى حقيقيا، وهذا الأمر ربما سيجعل قاعات المؤتمرات أشبه بالمساجد، حيث سنضطر لخلع أحذيتنا قبل الدخول كاحتياط امني ضروري، لأنه من الصعب تجنب رمي الأحذية على السياسيين الذين يتصرفون على شاكلة الرئيس الأمريكي. وإذا كان صحيحا أن مثل هذه الأمور تحدث حسب تعبير بوش نفسه، لكنها بلا شك لا تحمل نفس التفاصيل التي شاهدناها، ولكنها في النهاية تملك نفس الدلالات التي تعبر عن زيادة الحنق أو الإخفاق، ففي التاريخ لم نشهد الكثير من هذه الحوادث، أو لم نعرف جرأة في التعبير كالتي شاهدناها من الصحفي العراقي، والاعتذارات التي تم تقديمها من قبل الصحفيين للرئيس الأمريكي لم يسمعها احد، وهي بلا شك ستغيب لأن الواقعة التي تم تسجيلها حملت "الإثارة" و "الدهشة" و "الجرأة" وهي من اهم مقومات "الخبر الصحفي" حسب المقاييس الإعلامية.... والغريب أن هذه الحادثة بقيت خبرا يحمل طرافة، وأنها انتقلت فقط باتجاه "حقوق الإنسان"، على الأخص أن اعتقال الصحفي العراقي كان يحمل عنفا يذكرنا بكل مظاهر الديمقراطية التي حملها الثلاث تشيني رامسفيلد وبوش إلى العراق، فحديث الحرية الأمريكي كان واضحا في تصرفات "الأمن" المتخفي بين الإعلاميين، ومن الممكن ان يكون "عناصر الأمن" أكثر من متخفين، لأنهم على ما يبدو يقفون على الأقلام وإلا لما اندفع الصحفي لاستخدام حذائه بدلا من قلمه. إنها الصورة النهائية لرمي الجمرات، أو لوداع "مناسك" الاحتلال، فالمسألة لن تقف عند حدود الاتفاقية الأمنية، أو حتى جغرافية العراق التي شبعت من دماء أبنائها.. فهي حركة تتحدث عن نفسها وربما تحكي عن الجزء الصامت من المواطنين الذي شردوا أو سقطوا قبل ان يسجلوا كلمة اعتراض.
|