ليس غريباً أن تتعدد وتتنوع أشكال التعبير عن رفض سياسات الرئيس بوش في أكثر من بلد في العالم، سواء أكانت على الصعيد الرسمي الدبلوماسي والسياسي، أم على صعيد الإعلام والصحافة، وحتى أن الأمر يتعدى هذه الأشكال ليصل حد تصعيد العمل المقاوم كرسائل رفض، وزيادة الهجمات "الإرهابية".. كل شيء حتى الآن يمكن توقعه.. لكن أن تتعدى أشكال التعبير تلك الصور المتوقعة والمعتادة لتصل إلى استخدام حذاء أحد الصحفيينكموقف واضح لا لبس فيهفي مؤتمر صحفي يعقده الرئيس بوش مع رئيس الوزراء العراقي، ليقذف به الرئيس بوش "بالفردة الأولى أولاً ثم بالفردة الثانية.. لعله يصيب!!".. فهذا ما لم يكن يتوقعه أكثر المتفائلين أو المتشائمين، وأكثر المحبين أو الكارهين للرئيس بوش وللاحتلال الأمريكي للعراق!!.
كان من الأفضل للرئيس بوش ألا يتوجه إلى العراق في زيارة وداعية في محاولة لـ "شرعنة" الاحتلال الأمريكي و"شرعنة" الاتفاقية الأمنية عبر خطوة رمزية تمثلت بتوقيعه على الاتفاقية، حيث أن كل التوقعات والتحليلات التي عادة ما تسبق وترافق زياراته، لم تكن تتنظر أن تجابه تلك الزيارة "الأخيرة ربما" بخطوة أكثر رمزية من التوقيع على الاتفاقية، وأكثر وأفصح تعبيراً عن الاحساس بالضيق والرفض والاستياء لكل ما حصل ويحصل في العراق منذ العام 2003وحتى اليوم.. حذاء صحفي يرمى في وجه الرئيس الأمريكي جورج بوش، وعلى دفعتين أي "بالفردتين"!!.
شخصياً، تأملت كثيراً في هذا السلوك الطريف والغريب، ولم أستطع العثور على قراءة واضحة له، لكنني استطعت تخيل حال ذلك الصحفي الذي ضاق ذرعاً بـ "الجلد السميك" لإدارة بوش التي لا تحس ولا تريد أن تحس أو تعترف بالخراب الذي لحق بالعراق "وطن ذلك الصحفي"جراء سياساتها، وهي مصرة على نحو أكثر من وقح بأن العراق الحالي يمثل وجهاً بديعاً ونموذجياً لـ "الحرية والديموقراطية"، ولم تنفع معها كل أشكال الرفض "تظاهراتاحتجاجاتكتابات وانتقاداتإعلامدبلوماسيةسياسةمقاومة..".. وماذا بعد؟!.. كيف يمكن إيصال الرسالة؟!.. هكذا كان لسان حال ذلك الصحفي على ما يبدو.. ومن شدة الضيق والاشمئزاز، ربما أنه استحضر بيت الشعر القائل:
كنت أسمعت لو ناديت حياًلكن لا حياة لمن تنادي
أخيراً قال في نفسه: لأجرب "فردتي" حذائي فلربما يجدي هذا نفعاً.. وقد فعلها.. ولكن، وبعد الحادثة مباشرة، عاد الرئيس بوش ليستثمر ويوظف ما حصل وفق ذهنية "استغباء" العالم كله نفسها، عازفاً على الوتر ذاته، مشيراً إلى أن هذا مؤشر على المناخ الجديد لـ "الديمقراطية والحرية" في العراق.. على طريقة ذلك الذي بصق أحدهم في وجهه فابتسم وقال: "الدنيا عم تشتي".. فعلاً لا حياة لمن تنادي!!.