علينا ان نستقيل ونترك تلك المساحات التي غطيناها بالكلمات أو بالصخب، فعندما تصبح السياسة فعلا يستقل بنفسه عن الآخرين ندرك أن مسألة الإعلام هي مجرد "خربشات" على الأكف التي لا تندم على المصافحة، ولا ترى من المسائل سوى كلمات قليلة، فهل كانت اعتذارات داني أيالون حسب ادعاءات تركي الفيصل نهاية المأساة، أم أن مأساتنا تبدأ حيث تظهر الوجوه القادرة على النظر فقط خارج دائرة الوطن.
أحاول استرجاع الشريط الذي مللناه، ففي كل المؤتمرات الدولية هناك مناسبة لكسر الحاجز النفسي، وكأنه جولة قنص أو غزال شارد علينا أن نضعه عند حده، فهل علينا أن نضع هذا "الحاجز" في موقعه الجديد؟ وهل سيبقى من معنى لمثل هذا "الحاجز" وسط الجدران التي ظهرت خلال السنوات الماضية؟ فعدم ندم "تركي الفيصل" تجعلنا نعيد التفكير بنوعية التصرفات السياسية التي تبدو عشوائية، لكنها في عمقها تعبر عن تراتب خاص، أو حتى آلية سياسية تغيب عن مساحة الظهور ثم تلمع فجأة وكأنها صممت خصيصا لإدهاش الآخرين، وكي تبقى برهان على أن الصراع السياسي منفصل تماما عما يحدث في فلسطين، فالإحباط والغضب من مشاهدة المصافحات ليست بسبب "العداء"، وهما أيضا لا تحملان اتهاما لأي جهة بأنها تعترف بـ"إسرائيل" فمثل هذا الاعتراف لم يعد مهما وسط انسجام الكثيرين مع وجودها.
هي مسألة ربما لا يلمسها إلا من يقف مع الاحتكاك الأساسي الذي يبدو في كل لحظة أمامنا، فهناك "ثقافة" يتم إزاحتها، وأيضا هناك هوية يتم التعبير عنها بأشكال سياسية تجعلها هائمة أو دون ملامح، فالاستيطان ليس اغتصاب أرض فقط، والوجود الإسرائيلي في الجولان لا يمكن مقاربته بأي حالة أخرى كما يدعي أفيغدور ليبرمان، ما يحدث شيء آخر لا يمكن خلق أي مصالحة معه لأنه ينهي على الأقل الهوية الاعتبارية لنا، وربما هذا الأمر الذي أراده ليبرمان في تهديده لسورية، وسواء ندم تركي الفيصل أم شعر بالفخر فإن وجود إسرائيل يحمل معنا آخر تماما.
نحن أمام مظهر سياسي لا ينسجم مع الواقع الاجتماعي، وما قدمه تركي الفيصل هو حالة ضمن هذا المظهر، لكن إشكالية وجود إسرائيل ربما تبدو بعيدة عن دول قريبة من هذا الصراع، لكنها تظهر في أوروبا بشكل جديد، وهو ما لا يريد النظام العربي الاعتراف به.