لقد كان من الطبيعي والمنطقي أن ترد سورية التحدي بالتحدي وأن تخاطب إسرائيل باللغة الحازمة الرادعة التي لا تفهم لغة سواها وأن تجابه تهديدها ووعيدها المتواصل الذي تطلقه ضدها بين الفينة والأخرى بإظهار سورية لقوة اقتدارها وتصميمها وعزمها على التصدي لأية حرب قد تشنها عليها وأنها ستنقلها إلى داخل المدن الإسرائيلية.
فإسرائيل تعمدت تغييب لغة السلام وأحلت محلها لغة الحرب مع سوريا ، ومارست فعل الحرب على قطاع غزة وأردفته بحرب استيطانية غير مسبوقة على القدس والضفة الغربية ، وأخذت تتحرش بسورية وذلك بالرغم من أن دمشق قد أظهرت رغبة أكيدة نحو تحقيق السلام ، ودخلت في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل بوساطة تركية في أيار عام 2008 للتوصل إلى اتفاق معها حول هضبة الجولان المحتلة ، إلا أن إسرائيل تسببت بتوقف تلك المفاوضات جرّاء حربها العدوانية على قطاع غزة العام الماضي ، وتصاعدت لهجة التهديد والوعيد الإسرائيلي ضد سورية عبر سلسلة من التصريحات تصاعدت الأسبوع الماضي بأقوال وزير حربها ايهود باراك أمام مسؤوليه العسكريين بأنه في ظل عدم التوصل إلى اتفاق مع سورية فإن إسرائيل ستجد نفسها في مواجهة عسكرية معها يمكن أن تؤدي إلى حرب شاملة ، وأعقبها بعد يومين فقط الوزير اليميني العنصري المتطرف أفيغدور ليبرمان بتصريحات استفزازية لا تصدر سوى عن رجل عصابات بتوجيهه تحذيرات حادّة إلى الرئيس السوري بشار الأسد مهدداً بأن على الرئيس الأسد أن يعلم بأنه إذا ما تحدى إسرائيل فإنه سيخسر الحكم وسيفقد منصبه كرئيس للجمهورية وأن عليه أن يفهم وأن يعلم أن الحرب ستنتهي بهزيمة لسورية.
وكان الرئيس الأسد قد نبه إلى أن إسرائيل غير جادة في تحقيق السلام وأن كل الوقائع تشير إلى أنها تدفع المنطقة باتجاه الحرب وليس باتجاه السلام ، ورداً على الهجمة التهديدية الإسرائيلية المدعومة من نتنياهو حذّر رئيس الوزراء السوري محمد ناجي عطري إسرائيل من أن الذي يهدد سورية سيواجه رداً مناسباً لا يسره ، بينما أكد وزير خارجيته وليد المعلم أن أي حرب تشنها إسرائيل على سورية ستتحول إلى حرب شاملة لن تسلم منها مدنها ، وخاطب الإسرائيليين بألا يختبروا عزم سورية ودعاهم إلى انتهاج طريق السلام والالتزام بمتطلبات السلام العادل الشامل.
فإسرائيل كعادتها كانت هي البادئة في تصعيد لهجتها التهديدية والتي أثارت تذمراً وجدلاً واسعاً لدى أحزابها وأوساطها السياسية المعارضة ، إذ وصف حزب كاديما تلك التصريحات بأن حكومة نتنياهو تلعب بالنار وأنها بدلاً من تهدئة الأجواء تقوم بتأجيجها ، مما يدل أنها تفتقر للقيادة السياسية الواضحة التي تحول دون قيام كل وزير بإطلاق تهديدات غير مسؤولية بشن حرب شاملة ، ووصف النائب (شلومو مولا) تصريحات ليبرمان بالغباء وتصرفاته بالزعرنة السياسية التي تستفز جيران إسرائيل ، ودعا النائب العمالي (إيتان كابل) نتنياهو إلى لجم ليبرمان المثير للحروب ، إلا أن الرد السوري كان على مستوى مجابهة التهديدات ، وشكل رادعاً قوياً ضد الغطرسة الإسرائيلية التي لا تتوقف عند حد ، والذي لا بد من رفده عربياً بموقف عربي داعم ومساند.