| كثرة الاتصالات وكثافة الزيارات والوفود والشخصيات التي تؤم المنطقة، ربما تشير إلى رغبة أكيدة في تحريك ما هو راكد ومتوقف عن الحركة في كل الملفات وعلى أكثر من مستوى، لكنها في الوقت عينه تشير دون أدنى شك إلى آفاق سياسية تبدو مظلمة أو متعثرة أو حتى مسدودة في وجه أي تحريك للساكن الذي صار اليوم يعوم تارة فوق سطح الشعار "لا حرب ولا سلم"، وتارة أخرى يعوم فوق سطح "الحرب" ولو كان بالتهديد المباشر الصلف الذي يظهر بوضوح "إسرائيلياً"، أو حتى لو كان بالتلميح إلى خيارات غير سلمية، وهذا أيضاً يظهر "إسرائيلياً" وأحياناً أوروبياً أو أمريكياً.. لكن هذا الساكن لم يستطع حتى الآن بكل تأكيد التحرك فوق سطح "السلْم"!.
تبدو المنطقة اليوم وكأنها تعيش في ظلال ما يمكن تسميته "الوقت الضائع" الذي تستثمر فيه القوى إلى أقصى الدرجات الممكنة والمتاحة سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً، وتسعى إلى تثبيت مواقعها إقليمياً استعداداً للمرحلة المقبلة التي من جهتها لا تحمل أية ملامح واضحة.
الملفت أن هذه القوى التي فتحت خطوطاً واسعة فيما بينها "خط دمشق ـ طهران" ومعه حزب الله وحماس وبالعكس، وخط "دمشق ـ أنقرة" وبالعكس، والتي هي بطبيعة الحال قوى أساسية على خطوط التماس المباشرة مع أزمات المنطقة، تظهر اليوم هي القوى الأقل ارتباكاً والأكثر ثقة ووضوحاً في الرؤية والموقف والأكثر تحضيراً لما هو آتٍ، على عكس "إسرائيل" المتأزمة داخلياً وخارجياً والتي لم يعد أحد يستطيع أن يلتقط تصريحاً أو موقفاً واحداً لأحد قادتها يكن أن يتماثل وينسجم أو يتساوق مع تصريح لمسؤول آخر، فما بين نتنياهو وباراك وليبرمان يتم تناقل وتقاذف الكرة في الملعب "الإسرائيلي" وكأننا أمام "حمّام انقطعت مياهه" وصار كلٌّ يصرخ ويصرّح ويولول ويهدّد ويهوّل ويهدّئ على ليلاه، وابتدأت مع هذه التصريحات والصرخات والتهديدات والتهويلات المملة مسرحية مماثلة لمحاولات التبرير والتصحيح والترميم والترقيع لمواقف وتصريحات لا تُحرج "إسرائيل" وحدها، إنما تحرج واشنطن نفسها بوصفها وصياً شرعياً يتكفل برعاية هذا الكائن الذي اسمه "إسرائيل"!.
مسرحية التصريحات "الإسرائيلية" المتضاربة حدّ التناقض و"الضحك أحياناً" تشي بما لا يدع مجالاً للشك بحجم الأزمة التي تعيشها "الحكومة الإسرائيلية" وافتقادها إلى رؤية واضحة لعملية السلام على كل المسارات، وهذا ما بدا ارتباكاً واضحاً في تلك التصريحات في الفترة القريبة الماضية.
الارتباك "الإسرائيلي" انعكس بلا شك على صورة الأداء الأمريكي المرتبك أساساً والحائر والمتردد على كل الجبهات، بحيث أن واشنطن المتعثرة في خطواتها، لم تستطع حتى الساعة تقديم أي جديد للعملية السلمية، إلا من بضع جولات خجولة لمبعوثها جورج ميتشل الذي يعود في كل مرة إلى واشنطن ـ وهذا واضح ـ خالي الوفاض، إلا من سلة مليئة بـ "الحرج" الذي تسببه رعونة "الحكومة الإسرائيلية" لواشنطن التي تبدو وكأنها مخلوق مغلوب على أمره، بالكاد يتمكن من البحث عن مبررات للسلوك "الإسرائيلي".
تثبيت المواقع إقليمياً في هذا "الوقت المستقطع أو الضائع" يجري على قدم وساق وتحت الأنظار "الإسرائيلية" التي لا تملك إلا تصريحات التهويل والتهديد من جهة أولى، وتحت الأنظار الأمريكية والأوروبية التي تظهر أنها فاقدة القدرة والحيلة على فعل شيء سوى الانتظار والمراقبة من جهة ثانية.
أما الأفق المنتظر، فهو لا ينفصل عن المشهد والمناخ السياسي الدولي والإقليمي الذي سينجبه.. أفق مبهم ومظلم وغير واضح الملامح، وأكثر من هذا، ربما هو أفق مسدود!.
|