| يوم ما استثنائي ممتد مع سلسلة من اليومي والعادي في واقع ما معاش ومكرس وعادي؛ يوم قد يكون كغيره من الأيام، لكن ما إن تلتقطه عدسة الكاميرا ويلامس حد المسائلة والبحث الشغوف للحقيقة حتى يتحول إلى واقع استثنائي مكتنز بالمعرفة والمعلومة وجدير بالحقيقة ولا تقتصر مهمة "سينما الواقع" على ملاحقة القضايا الخلافية والمسكوت عنها في كل أصقاع المعمورة ولا عل نبش الملفات المغلقة وإعادة فتح أوراقها وترتيبها من جديد بل تعمل كعدسة مكبرة لكل العوالم والمهن والأشياء والتي قد لا نلحظها أو نلقي لها أي بال؛ تستوقفنا ونغوص معها في كل اختصاص؛ إنها تشبه رحلة مشوقة في كل شأن؛ وسيقول العائد منها " طوبى لمن استشهد في سبيل الملح" أو تلك الدهشة التي تعتريك حالما تعود من فلم
" ملوك المعجنات" لما يختزنه من طاقة إنسانية درامية هائلة، طهاة يتنافسون بشراسة لنيل الاعتراف بالتفوق والتميز؛ تلك الياقة المخططة بالأزرق والأبيض والأحمر دفعت ببعضهم إلى هجر عائلته ووضع شرفه وسمعته على المحك هذا الفلم والكثير من الأفلام التسجيلية الأخرى المصنفة في تظاهرات كلها مدرجة ضمن أيام
"DOX BOX" أيام سينما الواقع في دورته الثالثة، وما تختبره دمشق وبعض المدن السورية المختارة في هذه الأيام هو الإقبال المنقطع النظير على متابعة الأفلام التسجيلية على مدى الدورات الثلاث عمر هذه التظاهرة والذي يلاحظ أن التردد على صالات السينما قد زاد قليلاً عن جمهور المختصين من سينمائيين وخبراء(المونتاج) والصحافيين، وليس من معنى لهذه الزيادة سوى اتساع شريحة المتابعين لها عبر دورات التظاهرة إذ لا يمكن القول أن هذه إشارة على جماهيرية سينما الواقع لأنها ليست جماهيرية لسبب أنها تخاطب ذائقة نوعية تستطيع أن تفسر قضايا مثل الجمال والمتعة على طريقتها الخاصة وحسب فهمها واختصاصها، فسينما الواقع
" التسجيلية" لا تعمل في الكثير من انتاجاتها على اعتبار الشرط الفني لا بل قد يكون الشرط الفني هو أخر اهتماماتها لأنها فن استقصائي يبحث عن كشف ملابسات قضية ما أو مصداقية تحقق كلما اقتربت العدسة من الحدث لحظة وقوعه؛ هذا الشرط النوعي يتطلب جمهوراً نوعياً تقبل الجمال من مصدره الأصل دون تجميل أو تزييف لكن تكرار هذه الظاهرة سنوياً هو إشارة ايجابية على اتساع شريحة المهتمين لا أكثر
لجنة الـــ " "DOXBOX في تنظيمها وتصنيفها لأفلام التظاهرة لم تعمل على تصنيف لاتجاهات سينما الواقع لأن كل ما نراه ينتمي إلى تسمية السينما التسجيلية
وكل ما عرض وسيعرض يقوم على ذات الشرط مع الوضع في الاعتبار التباين الصارخ في الميزانية الإنتاجية بين فلم وأخر لكن هي طريقة أو محاولة لترسيخ ميول الجمهور في المستقبل القريب من خلال بعض التسميات التي تضم مجموعة من الأفلام بينها قواسم مشتركة في نوعية الموضوع المطروح أو في الهوية أو غيرها.. وهذه التصنيفات تنوعت لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الأفلام وعدم الاكتفاء بفلم لكل موضوع، مثل تظاهرة" الطبقة العاملة تذهب إلى الجنة" والتي ضمت ستة أفلام تهتم بقضايا الطبقة العاملة ومن مختلف بلدان العالم، بالإضافة إلى تظاهرة "أصوات من سورية" ولها مسابقتها الخاصة بعيداً عن المسابقة الرسمية
تظاهرة "روائع المهرجانات" و" رجال ونساء" و" لقاء مع مخرج" وتهتم بعرض مختارات من أفلام مخرج ذو تأثير على اتجاه سينما الواقع في العالم، ويضاف إليها
" المسابقة الرسمية" والتي تضم مجموعة متنوعة ومميزة من الأفلام؛ والمفارقة أن هناك تباين حاد في المعيار الإنتاجي بين الأفلام المتنافسة البعض منها منتج بميزانية ضخمة وبعضها الأخر منتج بميزانيات ضئيلة، أما فيما يخص ردود فعل الجمهور على أفلام المسابقة الرسمية فقد حاز فلم " إثنا عشر لبنانياً غاضباً" حتى الآن على إعجاب النقاد والجمهور على حد سواء، وعلى الرغم من المخرجة(زينة دكاش) قد مهدت قبل بداية الفلم أن هذه التجربة في الأصل لم تبدأ كمشروع فلم تسجيلي وإنما جاءت مصادفة بعد انتهاءها كمختصة مسرحية من ورشة عمل مسرحية عملت فيها مع مجموعة من السجناء بما يعرف ""sickou drama العلاج عبر المسرح واختارت لهذه الورشة النص المسرحي " إثنا عشر رجلاً غاضباً" في اقتباس من النص الأصلي لـ " ريجنالد روز" متابعة الكاميرا لأعمال الورشة أنتجت ساعات تسجيلية كثيرة اتفق على العمل عليها وطرحها كفلم تسجيلي عن الورشة، الحدث الأساسي في الفلم هو اليوميات العلاجية مع مجموعة السجناء ومن ثم تصعيد الحدث إلى التحضير للعرض المسرحي الذي سيحضره ذوو السجناء ونخبة من مسئولي الدولة اللبنانية على اعتبار أن الحدث يدور في سجن رومية اللبناني؛ ورصدت فيها الكاميرا مجمل العلاقات التي جمعت بين المختصة وبن فريقها المسرحي المجرم؛ الذي ينتظر بعضهم الحكم بالإعدام وبعضهم استسلم لحبسه المؤبد؛ مغتصبون مدمنون، وقتلة وكلهم فاقدون للأمل لتأتي هذه التجربة وتبث الأمل فيهم من جديد وتمنحهم سبباً جديداً لنظر إلى الحياة مرة أخرى؛تشخيصهم لأوضاعهم كسجناء بعضهم محكوم بالإعدام وبعضهم بالحكم المؤبد أظهر فيهم جوانب إنسانية كانت تنتظر استظهارها عبر اللعب المسرحي كان كفيلاً بمنحهم الثقة لكي يصفوا بشيء من الدقة وقوة التعبير حالة الحبس وفلسفة السجين تجاه الحرية وحياة" برة" قال أحد السجناء " ماذا يعني المؤبد؟؟ .المؤبد يعني أن الضحية حرة " فلم جميل لكنه تورط في ثلثه الأخير بجرعة زائدة من العواطف سببت انقطاعاً جزئياً للتمثل الذكي بين الحر (المشاهد) والسجين وأوقع الكثيرين في شرك الإشفاق.
يقال بالنسبة للواقع أن" ما خفي كان أعظم" لكن ليس بالنسبة لسينما الواقع لأنها ترصد وتستقصي كل ما هو مخفي؛ فيقال " ما تراه هو الأعظم"
|