| لم يحدث الأمر بشكل سريع لأن الانتقال إلى التسوية، أو المفاوضات غير المباشرة بين سورية و "إسرائيل"، كانت مقدماته تصعيدا واضحا ولهجات حادة تبادلها وزيري الخارجية، رغم أن "أفيغدور ليبرمان" وضع الصراع مع سورية ضمن زاوية حادة، لكن المسألة عندما انتقلت إلى مساحة التسوية رسمت حالة لا تبدو جديدة بل "محورة" عن فكرة "الحرب" التي طالما رددها "الإسرائيليون" بنوع من المباهاة التي تحمل معها معاني "التفوق العسكري" أحيانا أو الرغبة في انتهاك كل القوانين والأعراف الدولية. بالطبع فإن "الشريك الإسرائيلي" لم يتوفر بعد، والاستيطان أيضا مستمر كما أن حصار غزة لم ينته، لكن تركيا أعلنت أنها ستستأنف الدور الذي لعبته سابقا، فهل المؤشرات وحدها كافية لفهم الانتقال من التصعيد إلى التفاوض؟ كل ما حدث سابقا كان يعطي انطباعا بأن التسوية على الأقل لن تسير بشكل "سلس"، وربما قدمت القمة الإيرانية - السورية صورة خاصة بان التهديد بالحرب لا يعني الكثير لعلاقات البلدين، بل ربما على العكس فإنهما قادرتان على التنسيق بينهما في ذروة الأزمة، لكن توجه التسوية انطلق من "إسرائيل" التي بدت أنها تريد حسم معركة داخلية، وكان واضحا أن تصريحات وزير خارجيتها تعبر عن توازن دقيق داخل التركيبة السياسية داخلها، وهو ما يجعل استئناف "المفاوضات غير المباشرة" محاولة للسير في أكثر من اتجاه، لأنها ستبدأ على إيقاع من التناقض ما بين تثبيت واقع سياسي من جهة، وخلق واقع جديد مازال بحاجة إلى الكثير من "التصورات" التي تجعل "الجولان" شرطا غير استراتيجي بالنسبة لـ"إسرائيل"، فهو بالنسبة لها مختلف تماما عن الضفة أو غزة من حيث التوسع الاستيطاني، لكنه يحمل وضعا حساسا يجعل التفاوض عليه "مغامرة" حقيقية بالنسبة لها. الاتجاه الثاني الذي تحمله المفاوضات غير المباشرة هو العامل الإيراني، لأن "إسرائيل" كانت تملك شروطا في هذا الموضوع، وعلى الأرجح مازالت كما هي مع إتاحة مجال سياسي أو هامش يمكن أن يساعد في خرق التوازن الإقليمي، فإذا كانت قناعة "القادة الإسرائيليين" حسب بعض التقارير ترجح عدم القدرة على فك "التحالف" بين دمشق وطهران، فإن المفاوضات غير المباشرة على الأقل ستخلق جدلا في مسألة "العامل الإيراني" وقدرته على التأثير في مجريات الصراع، فالمسألة بالنسبة لها "ضبط" لتأثيرات هذا العامل في ظل عدم اتخاذ إجراء حاسم تجاه ملف إيران النووي. الاتجاه الأخير الذي يمكن أن تقود إليه المفاوضات هو حسم التوازن داخل "الحكومة الإسرائيلية"، ففي المرحلة الأولى لن تظهر أية تأثيرات حقيقية، لكن مجرد الاستئناف يوحي بأن جولة أيهودا باراك إلى واشنطن لم تكن عبثا، وأن الصراع داخل "إسرائيل" ليس بشأن التسوية إنما لدفع الولايات المتحدة نحو اتخاذ مواقف أكثر وضوحا داخل أزمات الشرق الأوسط، وعلى ما يبدو فإن تركيا والجامعة العربية منحت الولايات المتحدة الوقت اللازم لبلورة هذا الموقف، سواء عبر تفويض لجنة متابعة المبادرة العربية للسلطة كي تبدأ المفاوضات رغم عدم وقف الاستيطان، أو من خلال السعي التركي للعمل على نفس الموضوع ولكن بين سورية و "إسرائيل". المعادلة الإقليمية لم تتغير سواء عندما بدأ ليبرمان التصعيد، أو عندما أعلنت أنقرة أنها ستباشر دورها في المفاوضات غير المباشرة بين سورية و "إسرائيل"، وهو أمر يوحي على الأقل بأن الأشهر القادمة ستحمل معها احتمالات جديدة لكنها ستبقى عند حدود ضبط الصراع أكثر من كونها تحولا في التوازنات القائمة حاليا.
|