| في نسخته الثالثة على التوالي أصدر خبراء صندوق النقد الدولي تقريرهم السنوي عن الاقتصاد السوري، ضمن ما يعرف باسم ' مشاورات المادة الرابعة '، وبعد تقييم شامل للأوضاع الاقتصادية في سوريا بشكل عام ، وللسياسات المالية والنقدية بشكل خاص ، وضع التقرير سبعة توصيات رآها أساسية ليتمسك بها صانعو السياسة الاقتصادية في سوريا خلال الفترة القادمة ، فما هي هذه الوصايا السبع ؟ وأين هي من وصايا العام الماضي ؟ وهل فعلا سيمضي ما بات يعرف بالفريق الاقتصادي في تحقيقها ؟ ثم أين هي من المنهج العام الذي يفترض أن يسير من خلاله الاقتصاد السوري ضمن ما يعرف باقتصاد السوق الاجتماعي؟
الوصية الأولى : تخفيض عجز الموازنة العامة : على الرغم من ان التقرير قد انطلق باعتبار العجز الكبير الذي حقق في الموازنة العامة لسوريا العام الماضي أمرا مقبولا كونه قد ساعد اقتصادها على تجاوز آثار الازمة المالية العامة ، الا ان هذا لم يمنع ان تكون الوصية الاولى لخبراء صندوق النقد الدولي ' كما في تقاريرهم السابقة ' متمثلة في التخفيض الفوري للعجز. وبلغة الارقام وصل العجز في الموازنة الى نسبة غير مسبوقة على الاطلاق من الناتج المحلي الاجمالي عند ما يقارب -5.5% منه في العام 2009 ، في حين تشير توقعات الصندوق الى ان العجز في العام الحالي 2010 ستراجع الى -4.4% فقط من الناتج المنتظر تحقيقه خلاله .
الوصية الثانية : تطبيق ضريبة القيمة المضافة في بداية العام 2011: ولانجاح الوصية الأولى نصح الصندوق بضرورة اتخاذ السبيلين التاليين : ان كان من خلال ترشيد الاستثمارات العامة التي رآى التقرير بانها ازدادت بشكل غير مسبوق في موازنة العام الحالي 2010 ، أو كان من ناحية زيادة ايرادات الدولة عن طريق زيادة حاصلاتها الضريبية ، وشدد لتخقيق ذلك على الاسراع في تطبيق ضريبة القيمة المضافة ووضع العام 2011 كتاريخ أخير لتطبيقها . وقد جاءت هذه الوصية متناغمة تماما مع ما صرح به وزير المالية السوري في غير مناسبة بان الوزارة سائرة نحو فرض هذه الضريبة بالفعل خلال العام القادم بعد تأمين البيئة المناسبة لتطبيقها . وينتظر أن تؤدي الضريبة المذكورة الى رفع اسعار عدد غير قليل من السلع المتداولة في الاسواق السورية بنسب كبيرة سيكون لها بالغ الأثر على عودة معدلات التضخم نحو الارتفاع من جديد خلال الفترة القادمة .
الوصية الثالثة : لا عودة للوراء فيما يتعلق بدعم المازوت : بعد أن كان رفع الدعم عن أسعار المازوت أحد أهم الارشادات ' النصائح ' الرئيسية التي نفذها الفريق الاقتصادي في سوريا خلال العامين الماضيين ، رحب التقرير بالتقدم المحرز في إصلاح دعم المنتجات البترولية وتحسين إدارة المالية العامة ، وأدلى بالثناء على تلك العملية التي ادت الى انخفاض في الفاقد والتسرب الامر الذي انعكس في انخفاض الاستهلاك المحلي منها ، كما نصح التقرير ' بكل وضوح ' بضرورة توسيع البيكار ليشمل عددا جديدا من السلع التي تدعم اداريا . وعلى الرغم من أن الآلية السابقة قد أدت بالفعل الى انخفاض الاستهلاك كنتيجة لوقف عمليات التهريب الى الدول المجاورة امام فقدان المنفعة العملية من فروقات الاسعار ، الا أن آثارها الآخرى كانت بالغة الأهمية على الاقتصاد السوري ، وخاصة في ما يتعلق برفع تكلفة كل من المنتج الصناعي والزراعي ، وبالتالي فقدان احدى ميزاته التنافسية التي يصدر من خلالها ، ناهيك عن دورها الاساسي في رفع مستويات الاسعار الى مستويات قياسية خلال العامين الماضيين ، لم ينفع التقدير المبطن لمعدل التضخم في العام 2009 حول 2.5% في اخفائها ، كون الرقم السابق لا يعكس معدل التضخم بقدر ما هو معدل نمو الاسعار خلال عام واحد هو العام 2009 . الوصية الرابعة : اصدار أذون الخزينة :
كما في تقريريه السابقين اعتبر الصندوق استراتيجية مصرف سورية المركزي لتحديث السياسة النقدية ملائمة مؤكدا على وجود تقدم ملموس في تنفيذها، وأمام التحديات الهامة المنتظرة نصح التقرير بتعزيز استقلالية المصرف المركزي ، وتطوير سوق للأوراق المالية ، اضافة الى ضرورة إصدار أذون الخزانة. وفي هذا الاطار شجع التقرير السلطات على استعمال أذون الخزانة كأداة من أدوات السياسة النقدية لسحب السيولة الزائدة من السوق،ناهيك عن كونها أداة مالية أساسية في تمويل عجز الموازنة العامة للدولة ، التي نصح الصندوق بعدم تمويلها عن طريق اصدار العملة ' التمويل بالعجز ، والتحول الى تمويلها عن طريق الاذونات ، وخاصة بالنسبة للمشاريع العامة الاستثمارية التي يتوقع ام تدر دخلا في المستقبل يغطي قيمة الاذونات وتكاليف اقتراضها وإذا لم يتم ذلك فسيتعين على مصرف سورية المركزي أن يصدر شهادات الإيداع الخاصة به. بالتأكيد ان استخدام أذونات الخزينة ، سيخفض من معدلات التضخم الملتهبة في البلاد من جهة ، وسيساعد على تمويل جزء لا ستهان به من عجز الموازنة من جهة آخرى ، الا ان فتح الابواب للدخول في نفق الاقتراض الداخلي قد يحمل في طياته ' أمام سهولة تحقيقه ' الكثير من المخاطر التي تكررت مشاهداتها في العديد من البلدان المجاورة .
الوصية الخامسة : تحسين عمل المصارف العامة : نصح التقرير بضرورة إعطاء الأولوية في الفترة المقبلة لإصلاح المصارف العامة لقطع الطريق على أي التزامات محتملة على المالية العامة تترتب على قروضها المتعثرة، وأشار الى أن المعلومات المتاحة اليوم تقدر متوسط نسبة كفاية رأس المال لهذه المصارف بحوالي 23 % ومتوسط نسبة قروضها المتعثرة بحوالي 6%، إلا أنه من المحتمل أن تكون نسبة القروض المتعثرة أكبر من ذلك لأن المصارف العامة لا تصنف الكثير من القروض متأخرة الدفع كقروض متعثرة لأن الحكومة تضمن معظم تلك القروض ضمنيا في الوقت ذاته رحب الصندوق بشكل لا فت بعمل المصارف الخاصة التي رأى بانها تحقق معظم متطلبات اتفاقية بازل الدولية ، وخاصة فيما يتعلق بحجم قروضها المتعثر الذي لا يذكر .
في حقيقة الامر لا بد من الاعتراف بوجود اخطاء كبيرة في عمل المصارف العامة ، لكن في الوقت نفسه لابد من الاعتراف ايضا بدور هذه المصارف الرئيسي في عملية التنمية بمختلف ميادينها ، وفي الوقت الذي تمول به تلك المصارف المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية للقطاعات الخاص والعام والعائلي لآجال متوسطة وطويلة ، تنشغل معظم المصارف الخاصة في تمويل القروض الاستهلاكية القصيرة والمتوسطة الاجل . الوصية السادسة : التحرير الكامل للاسعار والتجارة الخارجية : يرى التقرير بأن التحدي الأساسي اليوم يكمن في تنويع وتوسيع القاعدة الإنتاجية وإيجاد فرص العمل، بما يضمن تحقيق معدلات نمو مرتفعة ، ولنحقيق ذلك لا بد من استمرار تحديث القوانين واللوائح ، كما لا بد من ترشيد تنظيم نظام الدعم في القطاعات المختلفة أو ما يعرف بتحرير اسعار كل السلع المدعومة ، ناهيك عن القيام بمزيد من الاجراءات التي توسع من تحرير التجارة الخارجية . ويؤكد التقرير على ضرورة استمرار زخم الإصلاح في هذه المجالات وفقا لتصورات الخطة الخمسية الحادية عشر. وينبغي التأكيد على إحداث مزيد من التخفيض لعدد السلع الخاضعة للتسعير الإداري، وتحديث الإطار القانوني والتنظيمي من أجل تشجيع الاستثمارات الخاصة وتحسين القدرة التنافسية. وقد استعملت السلطات مؤخرا أسعارا مرجعية ورسوما جمركية تختلف باختلاف بلد المنشأ كإجراء وقائي ضد ممارسات تجارية جائرة. وتوصي البعثة بإتباع طرق أخرى لمواجهة المشاكل التي دفعت لاتخاذ الإجراءات السابقة, كتعزيز قدرة الجمارك على تدقيق الفواتير بربط الإدارات بالحاسبات الآلية وتكثيف التعاون عبر الحدود. وهنا لا بد من الاشارة الى الآثار الجد سلبية التي تركها التحرير المتسارع لقطاع التجارة الخارجية في سوريا ، من خلال العجز الغير مسبوق في ميزانها التجاري خلال العامين الماضيين ، كنتيجة مباشرة للارتفاع الكبير في قيمة الواردات من العالم الخارجي . الوصية السابعة : تحسين قاعدة البيانات الاحصائية : وبشكل لا يدعو للشك اشار التقرير الى أهمية إعطاء الأولوية لتحسين أوجه القصور الكبيرة في الإحصاءات والتي تعرقل التحليل الاقتصادي وصنع السياسات مؤكدا على أن جودة البيانات الموجودة اليوم ومدى توافرها أقل بكثير مما حققته البلدان الأخرى المماثلة لسورية في مستوى نموها . وهو أمر منطقي ومطلوب في الفترة القادمة ، واذا مار اردنا بالفعل ان نصل الى ارقام تساعد المحللين الاقتصاديين في نشر افكارهم وابحاثهم ، فلا بد من توفير الرقم المطلوب بالدقة والسرعة المناسبين ، فمن غير المنطقي اننا الى اليوم نصدر خلاصة التجارة الخارجية للعام 2008 في العام 2010 ، والمجموعة الاحصائية الخاصة بمؤشرات العام 2009 في 2011 .
وعلى الرغم من أن تصريحات العديد من الوزراء خلال السنوات الماضية كانت قد أكدت عدم تقيد السياسة الاقتصادية في سوريا بأي مرجعية أو نصائح خارجية ، الا ان المتالبع لنصائح وتوصيات التقريرين السابقين يرى مدى دقة تقيد الفريق الاقتصادي بتلك الوصايا ، المعروفة باسم روشيتات صندوق النقد الدولي ، وللعلم فان هذه الوصايا هي ذاتها التي ينصح بها الصندوق معظم الدول النامية التي يشرف على اصلاح اقتصادياتها ، ضمن ما يسمى باسم السياسات المعلبة أو الوصفات الجاهزة لتحقيق اقتصاد السوق القادر ' برأيه ' على الشفاء من كل الامراض الاقتصادية . بالطلع فان تطبيق العديد من هذه الوصايا انما ينعكس في نتائج اجتماعية سلبية وخاصة فيما يتعلق بازالة الدعم عن بعض السلع المدعومة كالسكر اضافة الى ما تبقى من السلع الزراعية التي تدعمها الدولة ، أو ما يتعلق بفرض ضرائب جديدة ستضر بالدرجة الاولى أصحاب الدخل المحدود ، الذين سينخفض من جديد مستوى معيشتهم كنتيجة مباشرة لارتفاع الاسعار العام الناتج عن تطبيق هذه الضريبة ، لذلك واذا ما اردنا الانطلاق من اقتصاد السوق الاجتماعي فلا بد من الاستغناء عن العديد من تلك الوصايا من جهة ، والاستمرار بنشر المؤسسات الاجتماعية من جهة آخرى والتي تسعى وزارة الاقتصاد اليوم جهدة لادخالها في الاسواق كهيئة المنافسة ومنع الاحتكار وجمعيات حماية المستهلك .
|