| ما الذي سينقذه الموفد الأمريكي جورج ميتشل من مفاوضات السلام حتى لو عاد إلى المنطقة وغادرها هو وغيره من المبعوثين الأمريكيين عشرات المرات؟!.. لطالما أن واشنطن تحاول أن تُظهر للعالم كله وتوحي له بأن الأخطار المحدقة بمسار التفاوض الفلسطيني "الإسرائيلي" لا تكمن في مواصلة بناء المستوطنات والممارسات الأخرى "الإسرائيلية"، إنما في توقيت الإعلان عن بنائها أو الشروع فيها!!.
هذا ما أطلت علينا ـ وأتحفتنا ـ به وزيرة الخارجية الأمريكية عندما أبلغت نتنياهو أن إعلان الموافقة على بناء 1600 وحدة استيطانية في القدس ـ لا شرقية ولا غربية ـ وفي يوم وصول نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى "إسرائيل" هو "أمر مهين" ويعطي "إشارة سلبية للغاية بشأن نهج ـ إسرائيل ـ تجاه العلاقات الثنائية.." وأضافت من فيض كرمها أن هذا الإعلان "يقوض الثقة في عملية السلام..".
هكذا قالت كلينتون وكأن لسان حالها وحال إدارتها يقول: "أحرجتمونا أيها الإسرائيليون.. لماذا لم تؤجلوا الإعلان عن بناء مستوطنات جديدة إلى ما بعد مغادرة نائب الرئيس؟!..". كلينتون "الغاضبة" لم تنسى أبداً ـ ولا تنسى ـ أن تطمئن العالم كله و"إسرائيل" في المقدمة عبر تصريحات لشبكة CNN أن هذا "لا يضع العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في خطر.." ذلك أن هذه العلاقات "دائمة وقوية".
وفي المقابل لا يتورع نتنياهو لحظة واحدة عن العزف على الوتر نفسه عبر إجراء اتصالات مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ومع رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني لتقديم "الاعتذار" عن الخطوة الخاطئة ـ في التوقيت فقط طبعاً ـ مؤكداً أن الاعتذار لبايدن لا بد سينهي "الأزمة".. وعلى الطرف الآخر فإن بايدن نفسه ـ وهنا وجه المهزلة ـ رأى أن الإعلان عن بناء مستوطنات جديدة "مجرد خلل" وكي لا نظلم الرجل فقد أبدى هو بدوره أسفه للتوقيت الإسرائيلي "غير الموفق للإعلان عن المخطط"!.
نتنياهو ذاته، وكما فعلت كلينتون، طمأن العالم كله ـ وبكل يقة ـ إلى أن سياسته لا تختلف عن سياسة من سبقه من رؤساء حكومات، مؤكداً أن "كل الحكومات المتوالية في إسرائيل شجعت بناء أحياء يهودية في القدس الشرقية.." وهو يراهن بالطبع على أن "العالم يفهم أن هذه الأحياء ستظل جزءاً لا يتجزأ من إسرائيل.." في أي اتفاق سلام قريب أو بعيد.
إذاً، المسألة مسألة خطأ في التوقيت من وجهة نظر "إسرائيلية" وليست مسألة خطأ في المبدأ الاستيطاني، وهي كذلك بالنسبة لواشنطن التي تحاول أن توهم العالم بـ "غضبها وسخطها".. وهذا بالطبع يعيدنا إلى المربع الأول الذي تحاول "إسرائيل وواشنطن" حشره في أنوف العالم كله عن طريق الإيحاء بأن مجرد إبداء واشنطن استياءها وقلقها من خطوة الاستيطان، ومجرد قبول "إسرائيل" إيقاف بناء المستوطنات، ولو مؤقتاً، هو أكبر إنجاز وانتصار يحققه الفلسطينيون خصوصاً والعرب عموماً، ما يشي بأن مشكلة القدس المحتلة بشرقها وغربها ـ كي لا نقول مشكلة فلسطين، كل فلسطين ـ هي مشكلة مستوطنات، ومشكلة أخطاء في توقيت الإعلان عن إنشائها لا أكثر ولا أقل!!.
|