| تناول التقرير في الحلقتين الماضيتين الواقع العربي والفلسطيني والإسلامي والدولي والحالة التي وصلت إليها القضية الفلسطينية من خلال تفاعلها مع بيئته المحلية والعربية والدولية وفي الحلقة الثالثة يتناول التقرير المؤشرات الاقتصادية والسكانية المتعلقة بالشعب الفلسطيني، فضلا عن تناوله لأهم التطورات المتعلقة بوضع الأماكن المقدسة في فلسطين، وينتهي كل من يقرأ هذا التقرير إلى أن الكيان الصهيوني هو الطرف المتحكم الذي أصبح يمتلك كافة الأوراق السياسية والعسكرية والاقتصادية، ويخلص التقرير إلى انسداد أفق التسوية، واشتداد الصراع على هوية فلسطين بل والمنطقة العربية بأكملها وانتقال الصراع إلى مستوى أعلى من التصعيد الثقافي والايدولوجي من قبل الصهاينة سينعكس على الخطاب الايدولوجي والسياسي في العالم العربي إن آجلا أم عاجلا، والتقرير بدوره يحمل في طياته دعوة إلى ضرورة البحث بكافة الخيارات المتوفرة، فضلا عن أهمية العمل على تحقيق المصالحة وفق رؤية أكثر علمية وموضوعية تتناسب مع الواقع الفلسطيني القائم. سادساً: الأرض والمقدسات: 1. واصلت السلطات الإسرائيلية تطبيق سياستها الهادفة لتهويد مدينة القدس، والسيطرة على المسجد الأقصى بوتيرة متسارعة خلال سنة 2009. 2. وفي إطار هذه السياسة، صادقت اللجنة اللوائية للتنظيم والبناء التابعة لبلدية القدس في 7/3/2009 على إقامة مركز جديد لشرطة الاحتلال قرب مدخل أنفاق الحائط الغربي في شمال ساحة البراق، والذي يُعدّ رابع مركز لشرطة الاحتلال في المسجد الأقصى ومحيطه. وظهرت مخاوف عديدة في الفترة الأخيرة، من تحضير الاحتلال لتقسيم المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود. وقد نفذت قوات الاحتلال ثمانية اقتحامات للمسجد الأقصى، كان من بينها مناورتان ميدانيتان تجريبيتان لإغلاق ساحات المسجد بوجود المصلّين ولساعات طويلة، وللتدخل السريع في حال أغلق المسلمون بوابات المسجد. كما أن استطلاعاً للرأي أجرته جريدة يديعوت أحرونوت العبرية في 30/7/2009 قد أظهر تأييد 64 في المئة من الإسرائيليين لفكرة بناء «هيكل سليمان»، بالإضافة إلى تسجيل ارتفاع كبير في وتيرة الاقتحامات التي ينفذها المتطرفون اليهود والشخصيات الرسمية والأجهزة الأمنية الإسرائيلية للمسجد الأقصى، حيث بلغ مجموع هذه الاقتحامات 43 اقتحاماً ما بين 21/8/2008-21/8/2009، وهذا يُمثّل نحو ضعف مجموع الاقتحامات المنفذة خلال السنتين اللتين سبقتا الفترة المذكورة، والبالغ عددها 21 اقتحاماً. وقد شهدت سنة 2009 تواصل الوتيرة المتسارعة للحفريات أسفل المسجد الأقصى وفي محيطه، وقد بلغ مجموع مواقع هذه الحفريّات 25 موقعاً حتى شهر آب/ أغسطس 2009، منها 12 حفرية نشطة، و13 حفرية مكتملة. ويظهر أن حفريات الجهة الغربية للمسجد تكاد تصل، أو وصلت، إلى أسفل قبة الصخرة. 2. وفي إطار سياسة هدم المنازل المتبعة لتهجير سكان القدس، هُدم 82 منزلاً في مدينة القدس خلال سنة 2009، ليبلغ بذلك مجموع المنازل التي هُدمت في المدينة خلال عشر سنوات (2000-2009) حوالي 662 منزلاً، مع التنبيه إلى وجود نحو ثمانية آلاف منزل مهدد بالهدم في القدس، من بينها مئات المنازل في حي البستان في القدس، ضمن مخطط لترحيل ما يزيد عن 1,500 فلسطيني من أجل فسح المجال لبناء «مدينة داود التاريخية». 3. تعزز التسارع في وتيرة بناء المستوطنات، في مدينة القدس بشكل خاص؛ فمنذ وصول نتنياهو إلى سدة الحكم في «إسرائيل» في نهاية آذار/مارس 2009، أُقر بناء أكثر من 19,100 وحدة سكنية في المستوطنات، 81 في المئة منها في مستوطنات القدس، والباقي في مستوطنات أخرى في الضفة الغربية. وقد احتفلت «إسرائيل» في 7/9/2009 بوضع حجر الأساس لمخطط الحي الاستيطاني (E1) الواقع شرقي القدس، وبدأت بتنفيذ مشروع البناء على الرغم من معارضة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لهذا المشروع على مدار عقد من الزمن. ويشمل المخطط إقامة 3,900 وحدة استيطانية جديدة لاستيعاب ما يزيد عن 15 ألف مستوطن إسرائيلي، على 12,500 دونم من أراضي قرى الطور، والعيسوية، وعناتا، والعيزرية. بلغ عدد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية 199 مستوطنة، بما في ذلك 34 مستوطنة إسرائيلية شرق القدس، بالإضافة إلى 232 بؤرة استيطانية إسرائيلية غير رسمية منتشرة في مختلف أرجاء الضفة الغربية، علماً أن مساحات البناء الاستيطاني قد زادت منذ بدء عملية السلام في سنة 1993 من 69 كم2 (1.2% من المساحة الكلية للضفة الغربية) إلى 189 كم2 (3.3% من مساحة الضفة) في سنة 2009. 4. وقد هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي 48 منزلاً فلسطينياً في الضفة الغربية (باستثناء القدس) خلال سنة 2009، كما تمّ اقتلاع أو تجريف أو حرق أكثر من 14 ألف شجرة مثمرة من قبل جيش الاحتلال والمستوطنين. وفي حربها على قطاع غزة في أواخر سنة 2008 ومطلع سنة 2009 دمّرت قوات الاحتلال 5,356 مبنىً فلسطينياً، وألحقت أضرار جسيمة بحوالي 16 ألف مبنى آخر، وتسببت بتشريد عشرات الآلاف من منازلهم، وبتدمير ما يقارب 57 كم² من الأراضي الزراعية، تشكل ما نسبته 29% من المساحة الإجمالية للأراضي الزراعية في القطاع. 5. وعلى الرغم من إعلان جيش الاحتلال في 16/9/2009 أنه شرع بإزالة 100 حاجز عسكري في الضفة الغربية، إلا أن تلك الحواجز بقيت قائمة على أرض الواقع، غير أن تصنيفها الإداري قد تغير بحيث تحولت إلى ما يعرف باسم حواجز «طيارة». وقد بلغ عدد الحواجز الإسرائيلية بمختلف أنواعها 617 حاجزاً، منها 78 حاجزاً ثابتاً، و17 حاجزاً «طياراً»، و71 برج حراسة، و113 بوابة زراعية، و155 حاجزاً أسمنتياً وبوابة حديدية، و183 ساتراً ترابياً. سابعاً: المؤشرات السكانية الفلسطينية: 1. تشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن عدد الفلسطينيين في العالم بلغ في نهاية سنة 2009 حوالي 10.9 مليون نسمة أكثر من نصفهم، أي خمسة ملايين و634 ألفاً (51.8 في المئة) يعيشون في الشتات. والباقي (48.2 في المئة) يقيمون في فلسطين التاريخية، ويتوزعون إلى حوالي مليون و247 ألف نسمة في الأراضي المحتلة سنة 1948، وحوالي ثلاثة ملايين و992 ألف نسمة في أراضي سنة 1967، يتوزعون إلى مليونين و481 ألفاً في الضفة الغربية (62.1 في المئة)، ومليون و511 ألفاً في قطاع غزة (37.9 في المئة). أما في الأردن، فقد قُدّر عدد الفلسطينيين في نهاية سنة 2009 بحوالي ثلاثة ملايين و240 ألف نسمة، يشكّلون حوالي 29.8 في المئة من الفلسطينيين في العالم (نحو 57.4 في المئة من فلسطينيي الشتات)، وغالبيتهم العظمى يحملون الجنسية الأردنية. وقُدّر عدد الفلسطينيين في بقية الدول العربية بحوالي مليون و776 ألف نسمة، يشكلون ما نسبته 16.3 في المئة من مجموع الفلسطينيين في العالم، يتركز معظمهم في الدول العربية المجاورة، أي في لبنان، وسورية، ومصر، ودول الخليج العربي. وقُدّر عدد الفلسطينيين في الدول الأجنبية بحوالي 618 ألف نسمة، يشكلون ما نسبته 5.7 في المئة من مجموع الفلسطينيين في العالم، يتركز معظمهم في الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا اللاتينية وكندا وبريطانيا وباقي دول الاتحاد الأوروبي. 2. ما تزال قضية اللاجئين الفلسطينيين إحدى أكبر مآسي اللجوء في التاريخ الحديث، فبالإضافة إلى نحو خمسة ملايين و630 ألفاً في الخارج، هناك نحو مليون و780 ألفاً يقيمون في الضفة الغربية وقطاع غزة من أبناء الأرض المحتلة سنة 1948، فضلاً عن نحو 140 ألفاً من أبناء الأرض المحتلة سنة 1948 مهجّرون في أرضهم، وهذا يمثل نحو 70 في المئة من أبناء الشعب الفلسطيني. أما أعداد اللاجئين المسجلين في سجلات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فإن عددهم حتى تاريخ 30/9/2009 قُدّر بحوالي أربعة ملايين و742 ألف نسمة. وهناك الكثير من اللاجئين لم يسجلوا أنفسهم لدى الأونروا لعدم حاجتهم لخدماتها، أو لعدم وجودهم في أماكن عملها كبلدان الخليج وأوروبا وأمريكا. 3. وفي قراءة المؤشرات الديموغرافية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، أظهرت إحصائيات نهاية سنة 2009 أن نسبة الأفراد الذين تقل أعمارهم عن 15 عاماً قُدرت بـ 41.5 في المئة، مع وجود اختلاف واضح بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فقد بلغت النسبة 39.7 في المئة في الضفة مقابل 44.6 في المئة في القطاع. كما قُدّرت نسبة الأفراد الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً في الأراضي الفلسطينية بـ 3 في المئة، مع وجود اختلاف بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث بلغت النسبة 3.4 في المئة في الضفة الغربية و2.4 في المئة في قطاع غزة. كما تظهر البيانات انخفاض معدل الزيادة الطبيعية للسكان في الضفة والقطاع من 3 في المئة سنة 2007 إلى 2.9 في المئة سنة 2009، وانخفاض معدل الخصوبة الكلية من 6 مواليد سنة 1997 إلى 4.6 مولوداً سنة 2007، إلا أن هذه الأرقام تبقى مرتفعة إذا ما قورنت بالمستويات السائدة حالياً في الدول الأخرى. 4. تشير التقديرات أنه في حال بقيت معدلات النمو السائدة حالياً، فإن عدد السكان الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية سيتساوى مع نهاية سنة 2015؛ حيث سيبلغ عدد كل من اليهود والفلسطينين ما يقارب 6.2 مليون. وستصبح نسبة السكان اليهود حوالي 48.8 في المئة فقط من السكان، وذلك بحلول نهاية سنة 2020، حيث سيصل عددهم إلى 6.8 مليون يهودي مقابل 7.1 مليون فلسطيني. ثامناً: الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة: 1. ما زال الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يعاني من سياسات الاحتلال الإسرائيلي وممارساته، التي يحرص من خلالها على إخضاع الاقتصاد الفلسطيني لسيطرته من أجل استمراره في التمتع بالمزايا والمكاسب الناشئة عن هذه الممارسات؛ وذلك من خلال عزل الاقتصاد الفلسطيني عن العالم الخارجي العربي والدولي على حد سواء، وجعل هذه المعاملات في أضيق نطاق ممكن، وجعل الاقتصاد الفلسطيني تابعاً للاقتصاد الإسرائيلي كخيار وحيد وبشكل مباشر، ففي السنوات الماضية كان نحو 80 في المئة من واردات السلطة تأتي من «إسرائيل»، بينما يذهب نحو ثلثي صادرات السلطة إلى «إسرائيل». كما أن الاقتصاد الفلسطيني بقي يعاني من إغلاق المعابر والحصار المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من سنتين، ومن انفصام سياسي واجتماعي واقتصادي للقطاع عن الضفة الغربية من ناحية، وفصل قطاع غزة عن العالم الخارجي من ناحية أخرى، مما نتج عنه آثار اقتصادية سلبية كبيرة، من بينها انخفاض حجم التجارة وتدهور مستوى المعيشة وزيادة الغلاء والفقر وارتفاع نسبة البطالة. 2. دخلت السلطة الوطنية الفلسطينية في أزمة مالية خانقة في سنة 2009، بسبب عدم تدفق المساعدات الخارجية التي كانت قد وُعدت بها، والتي تعتمد عليها السلطة باعتبارها المصدر الأول لتمويل خزينتها وسداد رواتب موظفيها وتسيير أمورها، وذلك نظراً للأوضاع والتطورات السياسية على الساحة الفلسطينية، ورغبة الدول المانحة بالضغط على الفصائل الفلسطينية من أجل المصالحة الوطنية. 3. حقق الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية وقطاع غزة نمواً بمعدل 5 في المئة في سنة 2009، حيث ارتفع من حوالي 4,640 مليون دولار سنة 2008، إلى حوالي 4,896 مليون دولار سنة 2009. وقد بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي حوالي 1,327 دولار في سنة 2009، مقارنة بحوالي 1,290 دولار سنة 2008، محققاً بذلك نمواً قدره 2.9 في المئة، ولكن هذا النمو وإن كان يمثل توجهاً إيجابياً، إلا أن اقترانه باستمرار الدعم الخارجي، وبقاء مستويات البطالة عند معدلات مرتفعة، يعني أنه لا يشير بالضرورة إلى نمو جوهري، حيث بلغت نسبة البطالة 24.5 في المئة سنة 2009، مقارنة بـ 26 في المئة سنة 2008. وكان من الملاحظ أن نسبة البطالة في قطاع غزة بلغت ضعف مثيلتها في الضفة الغربية؛ حيث بلغت 42.3 في المئة في القطاع مقابل 17.8 في المئة في الضفة. ويظهر ذلك مدى الإجحاف والاستغلال اللذين يعاني منهما الإنسان الفلسطيني تحت الاحتلال، بالرغم من الإمكانات البشرية المتميزة التي يملكها الفلسطينيون. 4. انخفض إجمالي إيرادات السلطة الفلسطينية خلال سنة 2009 بنسبة 22.4 في المئة مقارنة بسنة 2008، حيث بلغ حوالي 1,381 مليون دولار سنة 2009، مقارنة بنحو 1,780 مليون دولار سنة 2008، غير أن الإيرادات المحلية سنة 2009 لم تتجاوز 417 مليون دولار أمريكي من مجمل الإيرادات، منها 264 مليون دولار إيرادات ضريبية و153 مليون دولار إيرادات غير ضريبية، وبهذا تكون قد انخفضت الإيرادات المحلية بنسبة 45 في المئة مقارنة بإيرادات سنة 2008، والتي بلغت 759 مليون دولار. أما معظم الإيرادات فجاءت من إيرادات المقاصة (الناتجة عن عمليات الاستيراد والتصدير الفلسطينية) والتي تحصّلها الحكومة الإسرائيلية، والتي تراجعت بنسبة 10.9 في المئة، حيث انخفضت من 1,137 مليون دولار سنة 2008 إلى حوالي مليار دولار سنة 2009. 5. بلغ إجمالي النفقات لسنة 2009 حوالي 2,677 مليون دولار، مقارنة بـ3,273 مليون دولار سنة 2008، وبنسبة انخفاض قدرها 18.2 في المئة. وقد بلغت نفقات الأجور والرواتب سنة 2009 ما مجموعه 1,322 مليون دولار، أي ما نسبته 49.4 في المئة من إجمالي النفقات، مقارنة بـ1,771 مليون دولار سنة 2008، وهو ما يمثل 54.1 في المئة من ميزانية 2008. ومن الملاحظ أن نفقات الأجور والرواتب قد انخفضت سنة 2009 بنسبة 25.4 في المئة مقارنة بسنة 2008، وهذا يوضح مدى حرص السلطة على الترشيد في النفقات بهدف احتواء الأزمة المالية. 6. وقد بلغت قيمة العجز في الميزانية بعد احتساب الدعم الخارجي 481 مليون دولار سنة 2009، في حين كان هناك فائض في الميزانية بعد احتساب الدعم الخارجي قدره حوالي 270 مليون دولار سنة 2008، ويعود جزء كبير من هذا التراجع إلى انخفاض حجم المنح والمساعدات الخارجية المقدمة لدعم ميزانية السلطة بنسبة 49.8%، حيث انخفضت من حوالي 1,763 مليون دولار سنة 2008، إلى حوالي 878.6 مليون دولار سنة 2009. وقد كان من الملاحظ تراجع إسهام قطاعي الصناعة والزراعة في الناتج المحلي الإجمالي بصورة عامة منذ سنة 1999، حيث انخفض إسهام القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من 14.5% سنة 1999 إلى 13.7% سنة 2009، مع ملاحظة أنه عبر عشر سنوات كاملة لم يستطع قطاع الصناعة أن يحقق سوى نمو محدود وبمعدل لا يتجاوز 2.5% على مدى الفترة بأكملها. في حين انخفض إسهام القطاع الزراعي في هذا الناتج من 10.4% سنة 1999 إلى 3.6% فقط سنة 2009. 7. بالنسبة لتوقعات النمو الاقتصادي الفلسطيني في سنة 2010، فإنه على ضوء الأوضاع الراهنة المتمثلة في ضآلة فرص الانفراج في الموقف السياسي، وفي ظل الممارسات الإسرائيلية المتشددة المفضية إلى تحجيم النشاط الاقتصادي الفلسطيني، فإن احتمالات حدوث نمو اقتصادي حقيقي، أو تصحيح جوهري على مسار هذا النمو خلال سنة 2010، تبدو غير ممكنة، وذلك مع بقاء القيود المفروضة على حركة البضائع وحركة الأفراد في مختلف الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى الحصار الاقتصادي الذي ما زال مفروضاً على قطاع غزة. ويبقى أقرب المسارات المحتملة إلى الواقع يتمثل في بقاء الوضع الاقتصادي الراهن دون تغيير جوهري. خلاصات: ما تزال حالة الجمود والانسداد التي شهدتها مسارات التسوية والمقاومة والمصالحة والحصار، في سنة 2009 مرشحة للاستمرار في سنة 2010. ويظهر أن القوى المختلفة ما زالت تراهن على أن الزمن قد يلعب لصالحها؛ ولذلك فهي مستمرة في لعبة «عض الأصابع المتبادل». وحتى «يصرخ» أحدهم أولاً، فإن سنة 2010 سيكتنفها نوع من الغموض كما قد تحمل بعض المفاجآت. جميع الأطراف تعاني من أزمات وإن بدرجات متفاوتة فلسطينياً وعربياً وإسرائيلياً ودولياً. وهي أزمات قد تضطر البعض للتحرك لمحاولة تغيير المعادلة إذا ما شعر أن الأمور لا تجري لصالحه. احتمالات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ما تزال قائمة، مع أحاديث متكررة عن هجوم على حزب الله وضربات لإيران وسورية. « وتستخدم «إسرائيل التهديد بالحرب كعنصر ابتزاز سياسي، أو كأداة ردع؛ غير أنها قد تَدخل في الحرب، خصوصاً على ما تعتبره «الحلقة الأضعف» في قطاع غزة، إذا ما استكملت استعداداتها، وهيأت «مسرح العمليات» أو البيئة المحلية والاقليمية والدولية لذلك. غير أن المنطقة قد تجد نفسها مُنجرَّة إلى الحرب إذا ما حدثت مسارات حرجة مفاجئة، كضربات نوعية تُوجَّه إلى «إسرائيل» أو حماس في غزة أو حزب الله في لبنان، أو إيران؛ بحيث لا يمكن التحكم بردود الفعل المتوقعة. ما زالت المعطيات الموضوعية والذاتية لا تهيئ لمصالحة وطنية فلسطينية حقيقية، خصوصاً إذا كانت ستُحكم بشروط الرباعية أو بالتزامات منظمة التحرير تجاه الإسرائيليين والأمريكان. ويستبعد أن تكون هناك مصالحة حقيقية ما لم تتسم بثلاثة معايير، أولها أن يتم ترتيب البيت الفلسطيني وفق أجندة وطنية خالصة، ووفق أولويات العمل الوطني، ودون تدخل خارجي في القرار الفلسطيني، وثانيها أن يكون الاتفاق اتفاق رزمة شاملة يعالج مختلف الاستحقاقات، وينفذ في خطوط متوازية، وثالثها أن يتم تنفيذ برنامج بناء ثقة على الأرض يسبق استحقاق الانتخابات، كإطلاق سراح المعتقلين من الطرفين، وإطلاق الحريات، وإعادة فتح المؤسسات المغلقة، وفتح وزارات ومؤسسات السلطة والمنظمة لجميع أبناء الشعب الفلسطيني بحسب كفاءتهم والتزامهم الوطني. وما زال الحد الأقصى الإسرائيلي المقدم للتسوية لا يصل إلى الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبله أكثر الفلسطينيين «اعتدالاً»، ولا توجد رغبة أمريكية حقيقية في الضغط على «إسرائيل»، وبالتالي فمشروع التسوية يواجه أفقاً مسدوداً؛ وقد يفتح هذا المجال مستقبلاً لإيجاد ظروف موضوعية لانطلاقة جديدة للعمل المقاوم؛ وربما إلى ارتفاع أصوات متزايدة بفقدان سلطة الحكم الذاتي لمبرر وجودها، وسقوط فكرة حل الدولتين، والمناداة بفكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية؛ وهو ما قد يؤثر في مسار الأحداث في السنوات القادمة.
|