| 'نيو داون' (فجر جديد) هذا هو الاسم الذي سيطلقه الجيش الأمريكي على دوره في العراق عندما ينهي هذا الجيش عملياته العسكرية في سبتمبر/ أيلول المقبل. والمعروف أن الولايات المتحدة تحتفظ بحوالي 100،000 جندي في العراق حالياً. ولكي تتماشى مع اتفاقية يناير/ كانون الثاني 2009 الأمنية التي وقعها الطرفان الأمريكي والعراقي، يفترض أن تسحب الولايات المتحدة كل القوات، بالإضافة للمتعهدين، وتسلم المعسكرات والتجهيزات العسكرية للحكومة العراقية بحلول نهاية 2011. كي تفي الحكومة الأمريكية بمتطلبات الاتفاقية الأمنية، ستبدأ إدارة أوباما بسحب الجنود من العراق في الربيع المقبل. وفي سبتمبر/ أيلول ستخفض الولايات المتحدة حجم قواتها ل 48000 جندي، وستقلص عدد المتعهدين والمقاولين من 120 - 130000 إلى 75000. وهذا الترتيب الجديد سيسمى عملية 'الفجر الجديد'. وردت عبارة عملية 'نيو داون' للمرة الأولى في مذكرة من وزير الدفاع روبرت غيتس لقائد القيادة الوسطى العسكرية الجنرال ديفيد بترايوس قبل ثلاثة أسابيع. وفي مذكرته قال غيتس 'إن تغيير الاسم يبعث 'رسالة قوية' ويوفر فرصاً لتنسيق متزامن لاستراتيجيات مبادرات الاتصال، ويعزز التزامنا باحترام الاتفاقية الأمنية، ويلحظ التغيير كذلك علاقتنا المتطورة مع الحكومة العراقية'. حسناً، ولكن لماذا أرسل غيتس مذكرته في فبراير/ شباط قبل أشهر من بدء هذا التحول؟ أو لماذا يتم الإعلان الآن عن 'عملية نيو داون' لسحب القوات الأمريكية من العراق؟ أعتقد أن هذا الإعلان يذكر أو ينبه الشعب الأمريكي إلى أن الحرب في العراق لا تزال مستمرة وأن الرئيس أوباما يسعى لإنهاء هذه الحرب الدموية المكلفة، والتي استمرت زمناً طويلاً. ولكن من من الشعب الأمريكي يرغب في تذكر أو التنبه لحرب العراق، خاصة في ظل وجود حرب أخرى مستعرة ودموية ومكلفة وطويلة في أفغانستان تهيمن على الصفحات الأولى في الصحف الأمريكية؟ تحاول إدارة أوباما إطلاق تسميات جديدة على الحماقات الأمريكية، فقد استبدلت عبارة 'الحرب العالمية على الإرهاب'، وغلفتها بالعبارة التالية: 'عمليات ما وراء البحار الطارئة'. وربما تعتقد إدارة أوباما أن هذه التسميات الملتوية سيكون وقعها ألطف على الناس، ولذلك أطلقت على عملية الانسحاب الأمريكي المزمع من العراق، عملية 'نيو داون' (فجر جديد). وقد تعرضت إدارة أوباما للسخرية والتقريع في الأوساط الإعلامية والسياسية الأمريكية على محاولتها الخرقاء لتلوين وتزييف الوقائع. في مواجهة كل هذه الأجواء المكفهرة، يبدو أن الجيش الأمريكي يسعى لتذكير الجميع بأنه يمضي قدماً في طريقه للخروج من العراق. وفي الوقت الذي يجهز فيه البنتاغون خطة الخروج أو على الأقل لهجة وخطابة خطة الخروج تزداد الضغوط على الجيش للبقاء في العراق. ومؤخراً نشرت صحيفة 'نيويورك تايمز' افتتاحية كتبها توماس ريكس الصحافي المخضرم، الذي ينتقد السياسات الأمريكية في العراق، وفي مقالته قال ريكس: 'أعتقد أن القادة في البلدين قد يتوصلون لنتيجة مفادها أن أفضل طريقة للحيلولة دون العودة للحرب الأهلية، هي ايجاد وسيلة للإبقاء على 30،000 إلى 50،000 جندي أمريكي في العراق لفترة زمنية طويلة'. ويشبه الخبير في الشؤون الدولية في معهد 'بروكينغز للأبحاث' كينيث بولاك الذي كان من عتاة المؤيدين لغزو العراق الجيش الأمريكي في العراق بالجبيرة، أو ضمادة الجبس التي توضع على الذراع المكسورة، ويقول بولاك: 'لا يمكننا أن نحدد بدقة، متى سيحين موعد التئام أو شفاء عظام العراق المكسورة، علينا أن نحرص بشدة في ما يتعلق بكيف ومتى نرفع الضمادة'. أعتقد أن كلام بولاك، يأتي في خضم واقع تم فرضه بالقوة، وعلينا ألا ننسى أن 'ضمادة الجبس' هي التي حطمت ذراع العراق في المقام الأول. ويصف رائد جرار، المحلل السياسي العراقي المولد، الذي يعمل في 'حركة السلام'، تغيير إدارة أوباما للمسميات، وخاصة إطلاق اسم 'نيو داون' على عمليات انسحاب القوات الأمريكية بأنه مداهن للغاية، وفي أفضل الأحوال مبتسر وسابق لأوانه. وبالنسبة لإدارة أوباما، تؤشر 'عملية نيو داون' لبدء انسحاب القوات الأمريكية. بيد أن رائد جرار يقول: 'لن يبزغ 'شروق جديد' في حياة معظم العراقيين، إلا إذا انسحبت كل القوات الأمريكية وانتهى الاحتلال'. وبحلول مارس/ آذار الحالي، تكون مرت سبع أعوام على غزو إدارة بوش للعراق. وينوه جوشوا برولير مدير منظمة 'كريتيف نان فيولنس' المناوئة للحروب، إلى أن شعب العراق قاسى 19 عاماً من الحرب الاقتصادية والعسكرية التي فرضتها عليه الولايات المتحدة. ويقول برولير إن من الصعب الحديث بصدق عمّا ستعنيه عملية 'نيو داون' للشعب العراقي، خاصة إذا تطرق الحديث لتورط الولايات المتحدة في ازهاق أرواح آلاف العراقيين، ومعاناتهم الرهيبة من ويلات الاحتلال والحرب. ويعقد برولير مقارنة بين مبلغ المائة وخمسين مليار دولار التي ستنفقها الولايات المتحدة على العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان في السنة المالية ،2011 في ذات الوقت الذي خصصت فيه 330 مليون دولار لمساعدة اللاجئين العراقيين الذين بلغت أعدادهم حسب احصاءات الأمم المتحدة أكثر من 5 ملايين لاجئ ومشرد داخل العراق وخارجه ويقول برولير: 'إذا أعيد تخصيص المبالغ الهائلة التي تنفق عبثاً على الحروب، وتم تحويلها لمساعدة اللاجئين، وإنفاقها على المشاريع العراقية الحيوية، وعلى البنيات الأساسية للعراق التي تحتاج بشدة لهذه الأموال، عندها قد تنفتح كوة أمل تساعد على بناء الثقة وربما تصالح الشعب العراقي مع الولايات المتحدة'. ويضيف برولير: 'تغيير مسمى قواتنا من 'قوات مقاتلة' إلى 'قوات استشارية' لن يكفي، كذلك لن يجدي نفعاً اطلاق أسماء جديدة على مهمات وعمليات مثل 'عملية نيو داون''. كاثي كلي، زميلة برولير في منظمة 'كريتيف نان فولينس' السلمية، علقت على المسميات الأمريكية الجديدة مثل مسمى 'شروق جديد' بالقول: 'لنتخيل أن العراقيين استيقظوا ذات يوم على أخبار مفادها أن الولايات المتحدة قررت الاعتذار عما سببته من فظائع وآلام للشعب العراقي، وأن الولايات المتحدة ستدفع تعويضات عادلة ومجزية للعراقيين، وأن الأموال الطائلة التي ستنفق على الجيش الأمريكي في العراق، سيتم تحويلها لصندوق يخصص لإعادة إعمار العراق يشرف عليه خبراء وقادة عالميون من هيئات ودول، أثبتت أنها لا تطمع في استغلال شعب العراق أو موارده. حينها فقط يمكن القول إن هنالك 'فجر جديد' في العراق'. * ناشطة سلمية، وكاتبة مقالات في دورية 'فورين بوليسي إن فوكاس' ترجمة: محمد إبراهيم فقيري
|