| الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى سوريا، والتي تمت خلالها القمة الثلاثية بينه وبين الرئيس السوري بشار الأسد، وشارك فيها الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، وكذلك قادة فصائل المقاومة الفلسطينية، هذه الزيارة استحوذت على اهتمام المراقبين العرب والأجانب، واللافت للنظر أن التقييمات التي خرجت من أطراف عديدة لهذه القمة الثلاثية كانت شديدة التباين والاختلاف، مما يعكس خطورة الأوضاع في هذه المنطقة الجغرافية من العالم. ومن المنطقي والطبيعي أن ترى 'إسرائيل' في هذه القمة خطرًا عليها واستعدادًا لشن حرب عليها، فالصهاينة أساتذة في الصراخ والدعاية وتضخيم الأمور وإظهارها للعالم على غير حقيقتها، كي يكسبوا تعاطف الشعوب معهم كطرف مظلوم يعيش في محيط عربي كاره له ومتآمر ضده. متجاهلين أنهم هم الطرف المعتدي الذي شن كل الحروب على الدول العربية، وهو الذي ارتكب المجازر وقتل عشرات الآلاف وخرب بلاد العرب. وتحاول آلة الدعاية الصهيونية أن تلتقط معلومة ثم تلعب بها وتوظفها، فوزير الحرب الصهيوني يتحدث عن أن حزب الله يمتلك الآن أكثر من 45 ألف صاروخ، والكتاب الأمريكيين الصهاينة يتحدثون عن احتمال أن تكون سوريا قد قامت بتسليح حزب الله بصواريخ كتف مضادة للطائرات من إنتاج روسي، من طراز (إيجلا ـ إس - 24)، وأن هذه الصواريخ تشكل خطرا على طائرات (إف 16) التابعة لسلاح الجو الصهيوني، والتي تحلق في سماء لبنان، الأمر الذي قد يؤدي إلى التقليل من تفوق سلاح الجو الصهيوني على الجيوش العربية مجتمعةً. كما تروج الدعاية الصهيونية بأنّ سوريا تقوم بتدريب عناصر حزب الله على استخدام منظومات مضادة للطائرات من طراز (إس -2)، وأنّه من الممكن أن تقوم سورية بتسليح حزب الله بصواريخ مضادة للطائرات من طراز (إس 8)، التي تعتبر متطورة جدا. هذا من ناحية سوريا وحزب الله، أما العلاقة بين إيران وحزب الله والأسلحة الإيرانية التي تعطيها إيران للحزب، فحدث ولا حرج فالصهاينة يذكرون في هذا الملف عشرات الأنواع من الأسلحة والصواريخ. وهكذا، فإن الصراخ الصهيوني والتهويل من نتائج القمة الثلاثية له ما يبرره في العقلية والنفسية الصهيونية، وبه نستطيع أن نفهم تحذير الإعلام الصهيوني من خطورة اللقاء الثلاثي على تل أبيب، والقلق من نتائجه، ودعوته للاستعداد والتأهب بشكل كبير وجاد. ورغم أن تقويمات المخابرات الصهيونية لعام 2010م تؤكد أنه ليست هناك حربًا قريبة، طالما لم يحصل حزب الله على سلاح يخل بالتوازن، وأنه لن يستطيع أي فريق تحقيق نصر في الحرب المقبلة التي ستعرّض الجبهة الداخلية الصهيونية لخسائر كبيرة جدًا بما في ذلك 'تل أبيب'، رغم كل ذلك إلا إن الخوف من قمة دمشق الثلاثية كان مسيطرًا على الإعلام الصهيوني بشكل كبير، وهو ما عكسته صحيفة 'معاريف' التي رأت في استقبال نجاد في دمشق استقبال الملوك أمرًا خطيرًا على الأمن الصهيوني. وأخطر ما عكسته تحليلات الصحافة العبرية هو أن القمة الثلاثية، بل الرباعية بلقاء قادة منظمات المقاومة الفلسطينية لقادة القمة، والتنسيق بينهم، وتحركهم كوحدة واحدة ضد أي عدوان صهيوني مقبل، جعلت تل أبيب عاجزة عن شن حرب سهلة أو مضمونة النتائج كما كان يحدث في السابق. أما بالنسبة للموقف الأمريكي من هذه القمة وقراءته لها، فكان هو الإحساس بالفشل، فقد توقع الأمريكان أنه بعد أيام من تعيين الرئيس الأمريكي باراك أوباما للدبلوماسي روبرت فورد سفيرًا جديدًا في سوريا عقب 5 سنوات من القطيعة الدبلوماسية بين البلدين، أن يكون الرد السوري متجاوبًا مع المطالب الأمريكية، وكانت المفاجأة أن الرئيس السوري بشار الأسد وجه رسالة شديدة للإدارة الأمريكية، التي راهنت على أبعاده عن إيران وحزب الله، فجاء مضمون الرسالة أن المحاولات الأمريكية لإقصاء سوريا عن 'محور الممانعة' لن تلقى تجاوبًا، فسوريا لها رؤيتها وتصوراتها واستراتيجيتها، وهي ترى أنه ما لم يتم احترام ذلك فلن تتجاوب. وسوريا ترى أن ما يجب أن تقدمه الإدارة الأمريكية هو الضغط على 'إسرائيل' لإعادة استئناف مفاوضات الجولان مرة أخرى بوساطة أمريكية، فضلاً عن رغبة الأسد في الحصول على دور أكبر لبلاده في قضايا المنطقة، خاصة في الملفين العراقي والفلسطيني. الإدارة الأمريكية تهدد سوريا بأن استمرارها في 'محور الشر' سيجعلها تزداد عزلة، وأن سوريا لن تلعب دورا أكثر إيجابية في المنطقة، إلا إذا فضت شراكتها مع إيران، ليس هذا فقط بل وأن تقنع إيران وتوضح لها ما يجب أن تقوم به بشكل مختلف. وهكذا أكدت قمة دمشق الثلاثية إخفاق واشنطن خلال السنوات الماضية في فصل المسارين السوري والإيراني عن طريق التلويح بالعصا واستعمالها أحيانًا، وأصبحت الإدارة الأمريكية أكثر اقتناعًا بفشل سياساتها مع سوريا، بعد أن جرّبوا في السابق كل أوراق الضغط لتحقيق أهدافهم، بدءا من الحرب على العراق وأفغانستان، وصولا إلى محاصرة سوريا وإيران ورعاية عدوان صهيوني منظم على غزة ولبنان للقضاء على حركة 'حماس' و'حزب الله'، ولكن كل هذه الأوراق احترقت تباعا، ما يجعل واشنطن الآن أمام خيارات ضيقة قد يكون أحلاها مرّا. كما أصبحت الطلبات الأمريكية الأربعة من سوريا، وهي: (الابتعاد عن إيران - المزيد من التعاون في العراق - وقف التدخلات في لبنان - وعدم نقل أو تسليم أي سلاح لحزب الله)، مطالب لا معنى لها بعد الموقف السوري الأخير، بل إن الرئيسين السوري والإيراني سخرا من وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، ووصفا هذه الطلبات التي طرحتها بأنها تعبر عن سذاجة مفرطة منها ومن إدارة الولايات المتحدة برمتها، وتعبر عن عدم فهم حقيقي لواقع سوريا وطريقة تفكيرها وسياستها. وإذا تجاوزنا الموقفين الأمريكي والصهيوني، فقد كان هناك موقف مصري عبر عنه مصدر دبلوماسي مصري قدم رؤيته مدعيًا أن الظهور الإيراني الأخير في دمشق من خلال زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، ليس في صالح العرب، لأنه يأخذ بهم لكي يكونوا طرفا في التصادم القادم بين إيران والغرب، وهذا أمر مقلق، فهذا اللقاء يعد تكريسا للوضع الذي لا يريده أي عربي غيور على المصلحة العربية. وفي الحقيقة فإن هذا موقف لا يمكن فهمه، فسوريا تقف وحدها في مواجهة الموقفين الأمريكي والصهيوني، والموقفان يتحدان معًا من أجل منع سوريا من استرداد الجولان كاملة، وسوريا لا تجد دعمًا عربيًا في هذه المواجهة، ومصر أول المنسحبين من هذا الموقف الداعم، إذًا فلا سبيل أمامنا إلا استنتاج أن الساسة المصريين الذين لا يعجبهم التحالف السوري الإيراني يرون أنه لا مجال أمام سوريا إلا بقبول ما يلقى إليها من فتات أمريكي صهيوني وفق مشروع سلام وهمي لا يحقق لسوريا استعادة الجولان وتحقيق السيادة عليها. الموقف الرابع الذي استطعنا رصده، ويقدم قراءة رابعة لقمة دمشق، هو موقف تيار انهزامي عربي يعبر عنه نفر من الكتاب والمثقفين الذين يبغضون المقاومة ومشروعها ويروجون لمشروع تغريب المنطقة وسلخها من هويتها العربية الإسلامية. وينطلق هذا الموقف من اتهام سوريا بأنها لا يهمها مشروع 'الممانعة' كما تدعي، وإنما لديها مطامع تبدأ من عند تقديم ضمانات بعدم ملاحقة مسئوليها في قضية اغتيال الحريري، وتصل إلي حد الحصول علي مساعدات غربية مغدقة، مرورًا برغبتها في أن تعود إلي لبنان بالطريقة التي تراها، وأن ترفع عنها العقوبات والقرارات الدولية والأمريكية المختلفة. يشكك هؤلاء في الموقف السوري ويرونه يخادع ويحاول أو يقنع الغرب أنه قادر علي أن يقوم بنوع من الإلجام لحزب الله، وأن لديه القدرة علي السيطرة علي الفصائل التي يديرها في الملف الفلسطيني، ومن ثم يتصور الغربيون أنه يمكنه ذلك، في حين أنه غير صادق فيما يقول. ويرى هذا التيار أن الحل الوحيد الذي يمكن أن يبعد سوريا عن إيران ويجعلها تعيد حساباتها، هو أن يتعرض النظام في إيران إلي عقاب صارم، بل إلى حرب أو ضربة عسكرية تهزمه وتقزمه إقليميًا وتكسر شوكته. وبالتالي فإن هذا التيار يعتبر أن القمة لا قيمة حقيقية لها، وأنها لمجرد الاستهلاك الإعلامي، واتخاذ مواقف لابتزاز أمريكا والغرب، وأنه لن يترتب عليها مقاومة حقيقية. وهذا التيار الاستسلامي الانهزامي موجود دائمًا وقدرنا ألا نلتفت إليه، فلسوريا أن تتحالف مع من ترى أنه يقويها وتقوى به بعد أن وجدت نفسها وحيدة في مواجهة الغطرسة الصهيونية، وكلام هذا التيار يفتقد معناه بعدم وجود أطراف عربية تدعم المقاومة، فلو هناك هذه الأطراف الداعمة ثم تركتها سوريا وذهبت إلى إيران لكانت حجة القوم لها ما يبررها. أما القراءة الخامسة للقمة فهي التي تقدمها الأطراف التي اشتركت في هذه القمة، وهي ترى أنها لم تخطط للحرب بمقدار ما أبعدت هذه الحرب، لأن العدو يفهم ذلك ويعلم أنه إذا أقدم على حرب جديدة فلن يحقق نصرًا في ظل المعادلات الجديدة، وبالتالي فلو دخل حربًا فسوف يخوض مغامرة ستقلب الطاولة على رأسه، وسيرى شيئا يقلقه، خاصة وأن أطراف القمة الأربعة (سوريا - إيران - حزب الله - فصائل المقاومة الفلسطينية) رسمت معادلة جديدة في مواجهة غطرسة الكيان الصهيوني مفادها انه لم يعد بالإمكان استفراد أية جهة وأن المواجهة المقبلة ستكون مواجهة شاملة، وسوف تشترك الأطراف الأربعة في الرد على أي عدوان يتعرض له أحد هذه الأطراف، وسوف تكون غالبية المدن 'الإسرائيلية' في مرمى صواريخ المقاومة المتقدمة. ويتتابع موقف قادة القمة بالتأكيد على أن القمة انطلقت من أنه انتهى زمن إملاء التعليمات وإصدار الأوامر من قبل الصهاينة والأمريكان، وجاء زمن القادة الواثقين بأنفسهم وشعوبهم وقدراتهم وتحالفاتهم. كما يؤكدون أن القمة كانت ' قمة التحدي'، التحدي الذي حدث من قبل وكان أبرز تجلياته حرب يوليو/ تموز 2006م في جنوب لبنان وما أوجدته من معادلات جديدة تم تطويرها لتصبح أية مواجهة قادمة أكثر إيلامًا للصهاينة والأمريكان. أما ما تم فعليًا خلال زيارة نجاد لدمشق فكان التأكيد على متانة العلاقات الثنائية التي توجت بالتوقيع على اتفاق يقضي بإلغاء تأشيرة الدخول إلى البلدين، كما كانت الاجتماعات التي تمت خلال هذه الزيارة واحدة من المرات النادرة التي تتم فيها هذه الاجتماعات بحضور هذه الأطراف بهذا الوضوح الذي كاد أن يصل إلى إطار تنظيمي مشترك وكاد يعلن تشكيل قيادة أركان مشتركة. وكان وصول حسن نصر الله إلى دمشق، متحديًا كل المحظورات الأمنية، ليصل إلى سوريا لأول مرة منذ حرب 2006م، كان هذا الوصول تحديًا جديدًا ومقصودًا ورسالة لها مغزاها. وفي النهاية، فإننا لا يمكن إلا أن ندعم كل عمل تكون من نتيجته مواجهة المشروع الصهيوني والتضييق عليه، ولا نستطيع إلا دعم المقاومة الفلسطينية وكل من يساندها ويقدم لها الدعم، ولا يمكننا إلا دعم المفاوض السوري ودعم ما يقوم به لتقوية موقفه السياسي، ولا يمكننا إلا أن نتجاهل حزب المهزومين الذين يقفون مع أعداء الأمة في خندق واحد، والذين يبررون لثقافة الانبطاح والاستسلام.
|